السيد محسن الأمين
179
أعيان الشيعة ( الملاحق )
عواصمها أياما وأسابيع وأزور معابدها ومشاهدها ومدارسها وأحضر محافلها وحفلاتها في العزاء والمآتم وحلقات الدروس وكنت أستمع ولا أتكلم بكلمة ، وهذا يدل على أن دأبه كان التجسس وتطلب العورات ، ولم تكن نيته خالصة ولا كان طالبا للحق وإلا لتكلم وباحث وحقق معهم ودقق فاما أن يخصموه أو يخصمهم ولكنه كان ينظرهم بعين السخط التي لا تبدي إلا المساوىء فأخطأ نظره في كثير من الأمور التي رآها واعتقدها وخالف اعتقاده الحقيقة فيها . ما جرى لنا معه في الكوفة زارنا بمنزلنا في الكوفة من أرض العراق أواخر عام 1352 ه حينما تشرفنا بزيارة المشاهد الشريفة ، وذلك بعد ما جاء من المؤتمر الإسلامي بالقدس . دخل علينا ، فسلم فرددنا عليه ورحبنا به ، وقلنا له هل أنت مسلم ، فقال أو ما يكفي لبيان اسلامي السلام ، فقلنا له قد يسلم غير المسلمين ، وكانت هياته في لباسه الإفرنجي ، ولباس رأسه وطول شعره كما قدمنا يظن منها أنه غير مسلم ، ثم قال إني وردت النجف وسمعت بكم فجئت لزيارتكم ، فشكرناه على ذلك وسألناه من أي بلد هو ، فقال إنه مسلم يتوطن بلاد الإفرنج ، ثم أنه رأى في كتاب عندنا بيتين قديمين في الجاحظ وهما : لو يمسخ الخنزير مسخا ثانيا * ما كان إلا دون مسخ الجاحظ رجل ينوب عن الجحيم بوجهه * وهو القذى في عين كل ملاحظ فاغتاظ لذلك ، فقلنا له هذا شعر قديم ، وقد قيل في الجاحظ ، وأودع في الكتب وطبع وانتشر وتبعته ليست علينا ، وكان في مجلسينا سيد فاضل يساعدنا في الكتابة ، فأراد أن يجيبه فانتهره وأظهر الغضب فاحتملنا له ذلك ، لأنه ضيف ، وأخبرنا أن له مؤلفات غابت عن ذاكرتنا أسماؤها ، ثم سألنا سؤالين . ( السؤال الأول ) ما سبب قول الشيعة وعملهم بالتقية . فقلنا له التقية لا تختص بالشيعة بل هي عامة عندهم وعند غيرهم من المسلمين ، بل عند جميع العقلاء ، لأنها عبارة عن إظهار خلاف المعتقد بقول أو عمل عند الخوف على النفس أو العرض أو المال ، وهذا مما قضى به العقل وحكم بجوازه الشرع حتى جوز إظهار الكفر بقوله تعالى ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ ، إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً . وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ . وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) وإنما اشتهر الشيعة بالتقية دون غيرهم لكثرة ما جرى عليهم من الظلم والاضطهاد وحصل لهم من الخوف فكثر عندهم استعمال التقية واشتهروا بها دون غيرهم . ( السؤال الثاني ) ما دليل حلية المتعة ، فقلنا له الدليل عليها أنها كانت مشروعة بإجماع المسلمين ونزل بها القرآن الكريم بقوله تعالى ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) حتى أن ابن مسعود كان يقرأ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلى أجل مسمى رواه الطبري في تفسيره وغيره وعمل بها في عهد النبي ص وعهد الخليفة الأول وبعض مدة الخليفة الثاني حتى حرمها لمصلحة رآها ، فقال متعتان كانتا على عهد رسول الله ص ، أنا أحرمهما وأعاقب عليهما ، متعة الحج ومتعة النساء ، فقد ثبتت شرعيتها ولم يثبت نسخها . فقال هكذا أجابني بعض علماء النجف 179 عن السؤالين وسكت ، ولم يبد اعتراضا وكان عليه أن يبدي اعتراضه إن كان عنده اعتراض لنا وللعالم النجفي لينظر ما عندنا في ذلك ، فإن كان حقا قبله وإن كان باطلا رده علينا ، لا أن يسكت في الحضور ثم يقذف بكلامه في المغيب من مكان سحيق . وحضر وقت الغداء ، فدعوناه إلى أن يتغدى معنا ، فلم يقبل وألححنا عليه فأبى وودعنا وشيعناه ومضى . ما جرى لنا معه في طهران ثم رأيناه في طهران ، عاصمة إيران سنة 1353 وكنا نصلي جماعة في مسجد يسمى مسجد الجمعة ، فحضر ذات ليلة وصلى معنا ولما فرغنا من الصلاة رأيناه فسلمنا عليه ، وتحدثنا معه وكان من حديثه معنا أن قال أنا أحترم جميع المذاهب ولا أتعصب ، فشكرنا له ذلك ، ثم صعد الخطيب المنبر ليخطب بما جرت به عادته كل ليلة بعد انقضاء الصلاة وهو أشهر خطيب في طهران ويسمى الميرزا عبد الله الطهراني وكان خطابه يطول أكثر من ساعة وهو بالفارسية ، فجلس يستمع إليه ، فقلنا له هل تحسن الفارسية ، فقال نعم . ثم قام وقال أريد أن أجلس قريبا من المنبر حتى لا يفوتني شيء من الخطاب واستمر على ذلك ليلتين ثم زارنا في منزلنا بطهران ، فسألناه عن منزله لنرد له الزيارة ، فقال إنه نازل عند امرأة أرمنية ، ثم لم يتسع لنا المجال لزيارته ، ثم أرسل إلينا في اليوم الثالث انتقادات ينتقد بها خطباء طهران وعلماءها وقد أدرجها في وشيعته ، هذا ما جرى لنا معه في العراق وإيران ثم لم نره بعد ذلك ، وقد بلغنا أنه توفي . ونحن نشرع في نقض هذه الوشيعة متوكلين عليه تعالى ، سائلين من فضله وكرمه أن يلهمنا الصواب ويوفقنا لسلوك نهج السداد والرشاد . ونعتذر إلى من يقرأ كتابنا هذا من أهل العلم والفضل عما قد يبدر منا من خشونة في قول ، فإنه قد يدعونا إلى ذلك ما في كلامه مما لا تحتمله الطباع وربما اقتضت الحكمة ذلك : ولا خير في حلم إذا لم يكن له * بوادر تحمي صفوه أن يكدرا وللحلم أوقات وللجهل مثلها * ولكن أوقاتي إلى الحلم أقرب ولما كان كلامه مشتملا على تكرير كثير وكان يعيد في مواضع متعددة ، ما ذكره قبل ذلك ويضع أشياء في غير محلها ويدخل مبحثا في مبحث ، رأينا أن نجمع مكرراته في مكان واحد مهما أمكن روما للاختصار وليستوفي الناظر معرفة ما ذكرناه فيه ، ولا ينتقل من مكان لآخر وأن نذكر كل شيء مع ما يناسبه ، فاقتضى ذلك أحيانا تقديم ما أخر وتأخير ما قدم وجمع ما فرق وتفريق ما جمع فلينتبه لذلك ، ولا يتوهم أنا تركنا الرد على بعض ما في الكتاب حين يصل القارئ إلى محله فلا يجد ردا عليه ، فان الرد عليه يكون متقدما أو متأخرا وقد نغفل أشياء من كلامه لا نرى فائدة في نقلها ونقضها . وعلى الله نتوكل وبه نستعين . ما قاله عن وشيعته كتب على ظهرها أنه جمع فيها من كتب الشيعة عقائد لها لا تتحملها